أثر العولمة على السيادة الدولة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أثر العولمة على السيادة الدولة

مُساهمة  Admin في الخميس مارس 06, 2008 4:43 pm

أثر العولمة على السيادة الدولة

لمعرفة أثر العولمة على السيادة الدولة يجبب علينا معرفة مفهوم السيادة ونشأتها

المبحث الأول
مفهوم السيادة ونشأتها وأنواعها

أن مفهوم سيادة الدولة لهو واحدا من المفاهيم الهامة الذي أهتم به فقهاء القانون و باحثي السياسة على قدم المساواة وذلك منذ أن أبتدعه جان بودان الفرنسي عام 1576 في كتبه الستة عن الدولة، ولا يعدو مفهوم السيادة – كمفهوم قانوني – أن يكون مجرد وصف للقدرة الفعلية للدولة ومن ثم لقوتها، وللسيادة أيضا مفهوم سياسي إلى جانب ذلك المفهوم القانوني السابق فهو يمثل واقعا سياسيا معينا و الذي هو القدرة الفعلية على الإنفراد بإصدار القرار السياسي في داخل الدولة و خارجها و من ثم القدرة الفعلية على الاحتكار الشرعي لأدوات القمع في الداخل وعلى رفض الامتثال لأية سلطة تأتيها من الخارج.(28)
وتعتبر السيادة هي المميز الرئيسي للسلطة السياسية للدولة و لأهمية هذا المميز نجد إنه أنتقل من كونه صفة إلى أسم فبدلا من أن يقولوا السلطة السياسية ذات السيادة بدأوا يتكلمون عن سيادة الدولة ليقصدوا بها نفس المضمون: استقلال الدولة وعدم خضوعها لأي سلطة أخرى.
تعريف السيادة عند دكتور / مصطفى أبو زيد فهمي:-
"هي السلطة الأصلية التي تنبع سائر السلطات الأخرى منها وهى لا تنبع من أيا منها لأنها أصلية، فمثلا سلطة العمدة تنبع من سلطة المأمور، وسلطة المأمور تنبع من سلطة المحافظ و سلطة المحافظ تنبع من القانون و سلطة القانون تأتى من البرلمان الذي تأتى سلطته من الدستور و الدستور تضعه الجمعية الـتأسيسية، وسلطة الجمعية الـتأسيسية تنبع من الأمة، وسلطة الأمة لا تنبع من أي سلطة أخرى فليس هنالك ما يساويها أو يعلوها، إذن فهي السلطة العليا، و الأمة هي صاحبة السيادة ".(29)
ومن وجهة النظر القانونية يمكننا تقسيم الدول من حيث السيادة إلى نوعين رئيسيين:-

• الدول ذات السيادة الكاملة:
يقصد بالدولة ذات السيادة الكاملة الدولة التي تتمتع باستقلال كامل في مباشرتها سيادتها الخارجية و الداخلية، فلا تخضع في ذلك لسيطرة أو هيمنة أية دولة أو هيئة أخرى تحت أية صورة من الصور، ومثال هذه الدول، الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، إذ أن جميع الأعضاء تكون دولا كاملة السيادة.
فتستقل الدول كاملة السيادة استقلالا تاما في مباشرة سيادتها الخارجية، ومن أهم عناصر الاستقلال في مباشرة السيادة الخارجية، حرية تبادل التمثيل الدبلوماسي مع دولة أو دولا معينة، أو قطع العلاقات الدبلوماسية مع أية دولة، كذلك حرية الاشتراك في عضوية الأمم المتحدة وسائر المنظمات الدولية، و إعلان الحرب ...الخ.
كما تستقل الدولة كاملة السيادة استقلالا كاملا في مباشرة سيادتها الداخلية، فتكون لها كامل الحرية في اختيار نظام الحكم المناسب لظروفها، ووضع الدستور الذي يحدد العناصر الأساسية للدولة و السلطات العامة فيها، و حقوق الأفراد وحريتهم العامة و العلاقات بين هذه السلطات و إصدار القوانين واللوائح.. الخ.(30)

• الدول ناقصة السيادة:-
هي تلك الدول التي لا تتمتع باستقلال كامل في مباشرة سيادتها الخارجية أو الداخلية أو كليهما معا، وذلك لخضوعها لسيطرة دولة أخرى خارجية أو منظمة أو هيئة دولية، مما يترتب على ذلك من مشاطرتها لتلك الدولة في ممارسة سيادتها الخارجية أو الداخلية أو الاثنين معا، ومن أمثلة الدول ناقصة السيادة الدول المحمية والدول التابعة و الدول الموضوعة تحت الانتداب أو الوصاية لدولة أو لدول أخرى، ومن الدول التي وضعت تحت الحماية تونس، إذ خضعت لحماية فرنسا منذ سنة 1881، و قد انقضى ذلك عام 1956، حيث اعترفت فرنسا رسميا باستقلال تونس و سيادتها و كذلك مراكش حيث خضعت للحماية الفرنسية منذ عام 1912.(31)

ومما سبق يمكننا التفرقة بين مضمونين للسيادة أحداهما سلبي والأخر إيجابي:- (32)
• المضمون السلبي:-
ويتجسد المضمون السلبي لسيادة الدولة في أنها لا تخضع لسلطة أخرى في الداخل، و في عدم تبعيتها لأية دولة أجنبية و امتناعها عن القيام بأي عمل يمس استقلال دولة من الدول في الخارج.

• المضمون الإيجابي:-
ويتمثل المضمون الإيجابي للسيادة في تمتع الدولة بالسلطة التي تعلو على الجميع في الداخل، و التي بمقتضاها تقوم بوضع دستورها، وسن قوانينها، وتحديد نظام حكمها، وتنظيم إدارتها، وغير ذلك من شؤون الدولة وفى المجال الدولي فأن المضمون الإيجابي ينعكس في قيام الدولة بإبرام المعاهدات، وتوقيع الاتفاقات.
.

Admin
Admin

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 06/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://globalization.montadarabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التكملة

مُساهمة  Admin في الخميس مارس 06, 2008 4:46 pm

المبحث اثاني
أثر العولمة على سيادة الدولة

كما ذكرنا في المقدمة أنه من أبرز الانعكاسات التي ظهرت في الأبعاد السياسية للعولمة هي صعوبة الفصل وعلى نحو متزايد بين ما هو داخلي و ما هو خارجي فلقد ارتكزت أسس التنظيم الدولي و منذ قرون عديدة على النظر إلى جماعة الدول باعتبار أن كل دولة تمثل وحدة سياسية متميزة عما عداها من الدول ، كما اقتصرت العلاقات الدولية في بداياتها الأولى على صورتين من صور التعامل الدولي الرسمي أولها صــورتا الدبلوماسية ، و الإســتراتيجية ( الحرب ). وهكذا و في ظل النظر إلى الدول كوحدات مستقلة منعزلة عن بعضها البعض و اقتصار التفاعل فيما بينها على أضيق نطاق. كما من الميسور الفصل بين ما يعد من الشؤون الداخلية للدول، والتي لا يصح للغير التدخل فيها عملا بمبدأ ( عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ) وبين ما هو دولي أو خارجي.
غير أنه بمرور الوقت أخذت هذه الفكرة تتراجع تدريجيا تحت ضغط التفاعل المتزايد فيما بين الدول سواء على المستوى الرسمي أو غير الرسمي و نتيجة لتنامي ظاهرة الاعتماد الدولي المتبادل بحيث لم يعد ينظر للحدود الإقليمية كحاجز أو كعائق يحول دون التفاعلات الدولية ، وقد أدى ذلك إلى ظهور الفكرة التي عرفت بسياسات الترابط بمعنى الترابط بين الأوضاع الدولية العالمية وبين الأوضاع المحلية الداخلية و العكس.
كما تجدر الإشارة كذلك إلى أن ظاهرة العولمة قد تواكبت مع التحول الذي طرأ على صورة النسق العالمي من صورة النسق ثنائي القطبية إلى صورة جديدة راحت تعرف بالنسق أحادى القطبية Unipolar system الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية ويدور في فلكها مجموعة الدول الصناعية الكبرى ( دول الشمال الغنى)، بينما تمثل دول الجنوب مجموعة الدول التابعة نظرا لفقرها الاقتصادي وضعفها الإستراتيجي ومن ثم افتقارها إلى أهم أداتين من أدوات التأثير الدولي في عالمنا المعاصر، بحيث باتت هذه الدول تمثل تبعا لذلك مجرد مسرح للتنافس فيما بين القوى الكبرى. وتتمثل أبرز الأبعاد أو الانعكاسات السياسية للعولمة فيما يلي: -(33)
1- تراجع مبدأ السيادة الوطنية للدول.
2- تراجع قوة الدولة القومية وتضاؤل دورها.
3- بروز مفهوم الحكم كبديل للحكومة.
4- تزايد الاتجاه نحو التكتل الدولي بين دول الشمال مع تزايد حدة التفتت في دول الجنوب.

ولعل أكثر ما يهمنا في هذا الصدد هو التركيز على تأثير العولمة على مبدأ سيادة الدولة و الذي يتمثل فيما يلي:-
• تراجع مبدأ السيادة الوطنية للدول:
لقد ظل مبدأ السيادة منذ أن نبه إليه جان بودان عام 1576 يمثل حجر الزاوية للتنظيم الدولي الحديث، إذ نصت عليه و أقرته كافة القوانين و المعاهدات و النظم و الأعراف الدولية. وعلى الرغم من التراجع التدريجي الذي لحق بهذا المفهوم عبر العصور نظرا لما وجه إليه من انتقادات فقهيه تمس صفة الإطلاق فيه، و نظرا لما صادفه في التطبيق من معوقات فرضتها حقائق البيئة الدولية، مما استلزم التميز بين ( السيادة كمفهوم قانوني ) بمعنى الاعتراف للدول قانونا بحقها جميعا على قدم المساواة في أن تتخذ ما تراه مناسبا من قرارات أو من سياسات تكفل لها حماية مصالحها الوطنية، (بين السيادة كواقع سياسي ) بمعنى القدرة الفعلية للدولة على أنفاذ أرادتها في المجال الدولي .(34)
وعلى الرغم من ذلك كله فقد ظل مفهوم السيادة كفكرة قانونية مجردة لفترة طويلة محاطا بهالة من القدسية ومنزها عن يطالع أي انتقاص أو تشكيك، غير أن مفهوم السيادة قد لحقه التغير بشكل ملموس منذ منتصف القرن العشرين، وقد كان مرد ذلك إلى أمور عدة، منها على سبيل المثال:-(35)

1- التوسع المتزايد في أبرام الاتفاقيات الدولية الشارعة، والنظم الدولية التي تتضمن قواعد و أحكاما ملزمة لعموم الدول، ويمكننا أن نتمثل تلك الحقيقة الهامة فيما يلي:-

أ‌- أن ثمة قواعد قانونية دولية أمرة حاليا تختص بتنظيم مجالات عديدة، وقد أصبحت لهذه القواعد حجية في مواجهة كافة الدول فلا يجوز بحال الاتفاق على ما يخالفها، حتى و لو كان ذلك تذرعا بفكرة السيادة.
ب- أنه قد أضحت لدينا في نطاق الجماعة الدولية نظم للرقابة و الأشراف الدولي تقوم بمهام التحقق و التفتيش و هو ما نلاحظه في مجالات اتفاقيات حقوق الإنسان و التسلح النووي و اتفاقيات العمل الدولية على سبيل المثال .
ج- استقرار الفقه و القضاء الدولي على عدم أمكانية احتجاج الدول بدساتيرها أو بتشريعاتها الداخلية و هي من مظاهر السيادة الوطنية للتنصل من الالتزامات الدولية سواء أكانت ذات طبيعة تعاقدية، أو ناشئة عن أحكام القانون الدولي العام و النظم الدولية ذات الصفة الشارعة حتى وان لم تصدق الدول عليها تنضم إليها.

2- الاتجاه المتنامي نحو احترام حقوق الإنسان و حرياته الأساسية، و نحو كفالة الضمانات الدولية التي تمكن لاحترام هذه الحقوق وتكفل عدم انتهاكها من جانب الحكومات الوطنية.

3- الاتجاهات الحديثة في مجال تقنين قواعد المسئولية الدولية و التي تجيز للشخص الدولي المضرور أمكانية تحريك دعوى المسئولية الدولية حال وقوع الضرر بصرف النظر عن مدى مشروعية أو عدم مشروعية الفعل الذي تسبب في وقوعه .

4- كتابات بعض فقهاء القانون الدولي – من أمثال alvarez في نظريته عن ( الاعتماد الأجتماعى الدولي المتبادل ) – و التي تدعو إلى ضرورة تحقيق نوع من المواءمة بين اعتبارات الصالح الدولي العام وبين مقتضيات السيادة الوطنية للدول .

5- الاتجاه المتزايد نحو إقامة الكيانات الدولية عابرة القومية أو فوق القومية.

6- بروز نوعية من المشكلات الدولية التي تستلزم تكاتف الجهود الدولية وتضافر الإيرادات السياسية للدول في سبيل التوصل إلى حلول ناجحة و فعالة لها، من ذلك مثلا: مشكلات البيئة و التلوث، ومشكلات الطاقة، مشكلات ندرة المياه و الجفاف و التصحر، مشكلات التضخم و البطالة والفقر و نقص الغذاء، مشكلات الإرهاب و العنف السياسي، مشكلات انتشار الأمراض الوبائية كالإيدز و إدمان المخدرات و الجريمة المنظمة .. الخ.

وبصفة عامة يمكن القول بأن ظاهرة العولمة قد نأت بالعلاقات الدولية عن صورة النسق الدولي التقليدية القائمة على جمع من دول ذات سيادة.
وقد تباينت أراء المحللين في هذا الصدد، إذ يرى بعض الكتاب أن العالم يشهد حاليا ما يمكن أن يسمى بأفول السيادة the Twilight of Sovereignty في حين يرى البعض الأخر أن النسق العالمي قد أنتقل بالفعل إلى ما بعد السيادة.

وقد كان من نتائج تراجع مبدأ السيادة الوطنية للدول أن تزايدت أمكانية التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى ، فقد تعددت و تنوعت مبررات التدخل الأجنبي ، من ذلك مثلا : التدخل لاعتبارات إنسانية ، والدخل لحماية حقوق الإنسان و حقوق الأقليات العرقية ، والتدخل بدعوى مقاومة الإرهاب الدولي.. الخ .(36)

ولعل من أبرز المواضيع التي تثار في هذا الصدد عدم وجود معايير واضحة و مستقرة يتقرر على أساسها التدخل أو عدم التدخل إذ تظل الدول الكبرى مصرة على حقها في أن تقرر الأخذ بأي من الخيارين على أساس مصالحها ، وهو ما يؤدى إلى ما يعرف بمشكلة ازدواجية المعايير أو بسياسة الكيل بمكيالين.

Admin
Admin

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 06/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://globalization.montadarabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

يتبع

مُساهمة  Admin في الخميس مارس 06, 2008 4:46 pm

• بعض الاستثناءات التي خرقت مبدأ السيادة

- حقوق الإنسان:-
كانت أولى ذرائع انتهاك سيادة الدولة ما عرف باسم مبدأ التدخل الإنساني، هذا المبدأ طالبت الدول الكبرى بإقراره في اجتماعات الدورة 54 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وخلالها قادت هجمة لتعديل مفهوم سيادة الدولة على نحو يفتح الطريق أمام التدخل في الشئون الداخلية لأي دولة تتهم بانتهاك حقوق الإنسان أو ممارسة سياسة تمييزية ضد أي فئة من الفئات المكونة لشعبها.

وهذا التعديل لمفهوم السيادة فتح الباب أمام تسييس مبدأ التدخل الإنساني خاصة وانه ليس هناك توصيف موضوعي متفق عليه لاعتبار أمر ما جريمة ضد الإنسانية أو انتهاكاً لحقوق الإنسان الأساسية، وبدأت بوادر تشير إلى تعلل القوى الدولية الكبرى ـ خاصة الولايات المتحدة ـ بالمبدأ لخدمة مصالحها. كما فتح الباب أمام تغذية صراعات محلية ودعم جماعات عرقية ولغوية ودينية وأحيانا سياسية وتشجيعها على إثارة قضايا وإمداد الخارج بما يمكن أن يستخدم كذريعة للتدخل ضد حكوماتها. (37)
وبدأت حملة غريبة ضارية شارك فيها كوفي أنان أمين عام الأمم المتحدة على مفهوم سيادة الدولة، إذ تم اعتباره مفهوماً تقليدياً يحتاج إلى التطوير كي يتمكن المجتمع الدولي من التدخل حماية لحقوق الإنسان، وإيجاد مفهوم المحاسبية الدولية كبديل لمفهوم سيادة الدولة القديم.
ولسوء الحظ فإن تغيير المفاهيم بدأ عملياً في حالة كوسوفو نهاية التسعينيات قبل إن تحتشد الآلة الفكرية الغربية لتكريسه على المستوى النظري وانتزاع قبول دولي به، وكانت كوسوفو مثالاً صارخاً على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية مما وفر ذريعة للولايات المتحدة كي تتدخل ولا يلاقي تدخلها ممانعة دولية ذات شأن.(38)

- المحافظة على النظام العالمي:
برغم أن حق الدولة في العمل بقوانينها الوطنية وحقها في أن تكون في مأمن من التدخل الخارجي لم يُسلبا تماما، إلا أن القداسة التي أحاطت بهما كمظاهر أساسية لسيادة الدولة لم تعد كما كانت من قبل. لقد أصبح لممارسة الحقين شروط من منظور المساءلة الدولية، ليس كحقيقة واقعة، ولكن من ناحية المبدأ على الأقل. لقد تم تدويل السيادة. فاشتملت عملية تدويل السيادة على توسيع لأبعادها الخارجية. فالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الدولي -وهى الاعتراف المتبادل بين دول لها سيادة- اتسعت بصورة معينة أدت إلى وضع شروط لممارسة الدولة حقوق السيادة، أهمها ألا يتسبب من جراء ممارسة تلك الحقوق إحداث اضطراب في النظام العالمي. وفى كثير من الحالات التي حدث فيها ذلك ، مارس مجلس الأمن السلطات المخولة له متجاوزا الحقوق التقليدية للسيادة. والإجراء العسكري الذي اتخذه حلف الناتو تجاه كوسوفو أكد الواقع الجديد، بأنه قد أصبح ممكنا أن تقوم دولة ما بهذا العمل عندما لا تقوم الأمم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذ الإجراءات الكافية. ويعتبر وضع كوسوفو وتيمور الشرقية تحت السلطة الكاملة لإدارة دولية انتقالية بتكليف من الأمم المتحدة من أكبر العلامات وضوحا على وجود صورة للسيادة الدولية، لذلك فإن شرط الاعتراف بسلطة الدولة العليا لم يعد يرجع فقط إلى الشعب.(39)
وفى حين أن الصورة الملكية و الشعبية للسيادة كانت تفترض وجود محاسبة خارجية فقط على التصرفات الخارجية للدولة ، إلا أن الوضع قد تغير. فعندما تؤثر أمور داخلية لدولة ما على الدول الأخرى، فلا الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن - نيابة عن النظام الدولي كله- ولا الدول المتضررة تستطيع أن تترك مصالحها الحيوية الحقيقية أو المتصورة للخطر. وهذا يؤكد مقولة أن الفوضى هي ما تفعله الدول. فعالمنا المعاصر -ولأسباب مختلفة - أصبح صغيرا وصار أكثر اعتمادا على بعضه البعض، ولم يعد السؤال كيف تكون آمنا من التدخل الخارجي ؟ ولكن كيف تحافظ على النظام العالمي المتداخل والذي تعتمد عليه من التمزق بسبب ما يحدث داخل الدول الأخرى؟. فالمجتمع الدولي يقوم على الاستقرار، وتمزق هذا الاستقرار يضر بالدول الأخرى المعتمدة في رخائها عليه.
لقد تأكدت هذه الثورة المتمثلة في الشرط الجديد لسيادة الدولة عندما صرح السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي أنان لم يعد هناك حصانة للسيادة. ويعنى مفهوم تدويل السيادة وجود نظام لمساءلة الدول في حالة تعسفها الشديد في ممارسة حقوق السيادة. هذا لا يعنى فرض رقابة دولية على كل دولة في كل المجالات التي تقع تحت مسئولياتها، ولكنه قد يعنى قيام الدول المهتمة بالاستقرار العالمي بلفت نظر الدول الأخرى التي تمارس تصرفات أو تعسفاً صريحا في استخدام حقوق السيادة بمدى التهديد الذي يمثله ذلك للنظام الدولي.(40)
سوف تبقى السيادة مبدأ أساسيا لتعريف النظام الدولي، لكن ممارسة حقوق السيادة يجب ألا تتسبب في عدم استقرار هذا النظام بصورة غير مقبولة ماديا وفى إطار القواعد المعمول بها، لذلك فإن إسهام الدولة في تحقيق التوازن والاستقرار للنظام الدولي هو الذي يمنحها حق السيادة.
وتأتى إرادة الشعب في المرتبة الثانية. لقد استبدلت السيادة الشعبية كمؤهل أول لوجود الدولة بسيادة أخرى موازنة لها. فالأساس الأول لسيادة الدولة أصبح مدى إسهامها في استقرار النظام والمجتمع الدولي. فعندما كان الشعب هو المصدر الأول للسيادة كانت السيادة تعنى حق الدولة في تسيير أمورها الداخلية وحصانتها أمام التدخل الخارجي، والآن يمكن ممارسة تلك الحقوق بشرط أن تكون الدولة عنصر دعم واستقرار للنظام الدولي.

- حماية دولة من عدوان دولة أخرى:-
الغرض من ترتيبات السيادة كان دائما الحد من الحروب، أو بتعبير آخر، حماية النظام الذي تعتمد عليه جماعة الدول. لم تكن السيادة مجرد رغبة في حماية الدولة بالمعنى المباشر للحماية، ولكن حماية الدولة من الإجراءات الخارجية الهادفة إلى تغيير هيكلها الداخلي، واعتُبرت السيادة بذلك أداة لتقليل احتمالات الحرب. وبرغم أن ذلك لم يمنع الحرب، إلا أنه وفر إطارا مهما لتشجيع الاستقرار داخل النظام العالمي. فالاستقرار سوف يتحقق ويتم المحافظة عليه عن طريق عدم السماح بالاعتداء على حدود دولة أخرى ذات سيادة. كانت تلك القاعدة الأساسية التي قام عليها المجتمع الدولي والذي تم تقنينه فعليا بعد ذلك في سنة 1945. وبدأ الوضع في التغير بداية من التسعينيات.
أقام سلام ويستفاليا مبدأ للاحترام المتبادل بين الأمراء داخل دائرة سلطة الدين. وكان الهدف ألا يصبح الدين -سبب حرب الثلاثين عاما والتي انتهت باتفاق ويستفاليا- بعد ذلك سببا للحرب عن طريق إقرار مبدأ عدم التدخل في نطاق العاهل الآخر. فعلى كل أمير أن يحدد طريقة ممارسة الدين داخل حدوده، وعلى الآخرين الامتناع عن محاولة تغيير ذلك. هذه كانت نقطة البداية لمجموعة من التطورات داخل النظام الدولي حددت قواعد الحرب وأدت في النهاية إلى الاستقرار والحد من الحروب. وكان قيام الأمم المتحدة ذروة لتلك التطورات، فقد قيدت مواد الميثاق كثيرا حق استعمال القوة.(41)
دعم ميثاق الأمم المتحدة بشكل تعاقدي النظام الدولي. فالهدف الأساسي من الأمم المتحدة هو الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين كما هو موضح في المادة الأولى من الميثاق. ويعنى ذلك إقامة إطار لحماية الدول والنظام الدولي ككل من العدوان الخارجي لأية دولة أو مجموعة من الدول التي لا تراعى مبادئ عدم التدخل الخارجي ولا تحترم سلطة القوانين الوطنية للدولة. هذا التقنين لنظام السيادة يمكن التعرف عليه في المادة الثانية والمادة 51 من الميثاق. وتؤكد الفقرة 51 حق تقرير المصير، في حين تمثل المادة الثانية من الميثاق نقطة مرجعية لمبدأ عدم التدخل وسيادة القانون الوطني للدولة. وتنص الفقرة الرابعة من هذه المادة على أن الدول لن تستخدم القوة أو أية وسائل أخرى لا تتناسب مع أهداف الأمم المتحدة ضد وحدة الأراضي والاستقلال السياسي للدول الأخرى. ودعمت الفقرة 7 تلك المفاهيم من خلال تركيزها على أولوية التشريعات الوطنية للدولة حتى ضد الأمم المتحدة في الأحوال العادية (أما الأحوال الاستثنائية فسوف تناقش بعد ذلك أعطى نظام الأمن الجماعي المرسوم داخل ميثاق الأمم المتحدة لهيئة واحدة -مجلس الأمن- مسئولية رئيسية هي الحفاظ على الأمن والسلام العالميين. ولتحقيق ذلك أعطى الميثاق مجلس الأمن صلاحيات خاصة في الباب السابع، مثل منحه مسئولية تعريف التهديدات التي تؤثر على الأمن والسلام (المادة 39)، وسلطة اتخاذ الإجراءات العسكرية وغير العسكرية لمواجهة تلك التهديدات (المادة 42 و 41). والشئ المهم في ذلك أن واضعي الميثاق قد جعلوا مجلس الأمن في وضع تصبح من خلاله كل إجراءات الباب السابع إجبارية وملزمة وناسخة لكل القوانين الأخرى بما فيها حقوق السيادة. هذه النقطة تظهر بوضوح في العبارة الأخيرة من المادة الثانية الفقرة السابعة (نفس المكان الذي يظهر فيه حق الدولة في تطبيق قانونها الوطني). هذه العبارة الأخيرة تؤكد أن تنفيذ قرارات مجلس الأمن لا يعيقها سلطة القانون الوطني للدولة. وباختصار من الممكن تجاوز حقوق عدم التدخل وسيادة القانون الوطني من أجل مصلحة الأمن والسلام الدوليين.(42)
يضع هذا التغيير حدودا رسمية لسيادة الدولة. وبرغم أن ذلك لم يتم ملاحظته خلال الأربعين سنة الماضية، إلا أن صلاحيات مجلس الأمن لفرض قراراته والموجودة في الباب السابع من الميثاق تعبر عن وضع استثنائي في التعامل مع مدلولات وحقوق سيادة الدولة. وبمجيء سنوات التسعينيات بدا أن عصر حرب دولة ضد دولة أخرى قد ولى (رغم حرب العراق والكويت التي تمثل استثناء يثبت القاعدة). إن الدول لم تعد تحاول ضم أراضى الدول الأخرى، والحالات الأخرى مثل حرب الهند وباكستان وإثيوبيا وإريتريا نتجت في الأصل من تركة انقسام تلك الدول عن بعضها البعض. و تبدو الحقيقة في أن الأسباب التقليدية المعروفة للحروب والناتجة عن النزاعات المسلحة والتنافس بين الدول قد تآكلت. واعترافا بتلك الحقيقة، اتخذ مجلس الأمن مقتربا جديدا في التعامل مع السلام والأمن الدوليين.
أكد التعريف الجديد الذي وضعه مجلس الأمن للسلام والأمن الدوليين على وضع نهاية للحماية المطلقة للدولة المكتسبة من حق السيادة. فلم تعد الحرب بين الدول تمثل التهديد الحقيقي للنظام الدولي. فالتهديدات الحقيقية تأتى الآن من مصادر أخرى متنوعة داخل وخارج حدود الدولة. المجموعة الأولى من مصادر التهديد تأتى من النزاعات الداخلية والتجاوزات الشديدة لحقوق الإنسان، في حين تعتبر المخاطر البيئية ضمن المجموعة الثانية مع أن مسئوليتها قد تعود إلى الدولة التي تتصرف أحيانا بصورة تهدد البيئة. وفى سنة 1992 تأكد هذا التحول وأصدر رؤساء الحكومات والدول الأعضاء في مجلس الأمن إعلانا يشكل الاتجاه الجديد. وبناء على ذلك مرر مجلس الأمن في العديد من المشاكل كثيرا من القرارات المبنية على الباب السابع تعبر عن مساحة عريضة من الإجراءات غير العادية لمعالجة تلك المشاكل. هذه الإجراءات غطت ثلاثة مجالات: تدخل عسكري-سياسي، العدالة، وأسلوب الحكم، وغيرت في طبيعة المزايا التي تتمتع بها الدولة من خلال مبدأ السيادة.
تغير التدخل السياسي-العسكري بشكل كبير وأصبح مصحوبا بإجراءات قضائية وإدارية (مثل إنشاء المحاكم الجنائية في يوجوسلافيا ورواندا وتحمل المسئولية كلها في حكم كوسوفو وتيمور الشرقية بالإضافة إلى تحمل مسئوليات جزئية في مناطق أخرى من العالم). استمر هذا التغير خلال التسعينيات. وبرغم أن عددا من الانتقادات قد قدرت عن طريق الخطأ أن قفزة في النشاط قد حدثت في الجزء الأول من التسعينيات ثم خبت بعد ذلك، إلا أن الحقيقة كانت مختلفة. ولقد اتسع مدى التدخل وأسبابه خلال التسعينيات وبعض الإجراءات الراديكالية حدثت في النصف الثاني من التسعينيات. من أبرز تلك التدخلات التي حدثت في النصف الأول من العقد كانت العراق والصومال وتاهيتى ويوجوسلافيا السابقة ورواندا وليبيريا، وأما الأحداث الأخرى التي حدثت في النصف الثاني فقد ارتبطت بعدد من القرارات ضد أفغانستان 1996-1999، والسودان 1996 (وهى القرارات الأكثر راديكالية في تاريخ مجلس الأمن)، ثم كوسوفو، وتيمور الشرقية في 1999، والبوسنة والهرسك. وتعتبر قرارات مجلس الأمن في تلك الفترة نقطة تحول أساسية بالنسبة لمفهوم السيادة وكيفية إدارة الأمن والسلام الدوليين. وعكس الاستخدام الجديد لصلاحيات مجلس الأمن الموجودة في الباب السابع للميثاق بدء مرحلة جديدة من الجهود لحماية الدول والمجتمع الدولي.(43)
وبإعادة تعريف مفهوم التهديد للسلام والأمن الدوليين، وباعتبار أن الدول هي التي تُكون المجتمع الدولي، أعاد مجلس الأمن صياغة المبدأ الحاكم الذي يحمى الدول والنظام الدولي الذي يعتمدون عليه. المبدأ القديم والمُؤسس على مفهوم السيادة كان حماية الدولة ضد التدخل في شئونها الداخلية والحفاظ على النظام والاستقرار باتخاذ إجراءات لوقف العدوان الخارجي المسلح ضد الدول. الآن تغير الحال، وتغيرت الاحتياجات، وأصبح التحدي الذي يواجه السلام والأمن هو حماية النظام الدولي الذي تعتمد عليه الدول من الفوضى وعدم الاستقرار نتيجة ما قد يحدث من أحداث وقلاقل داخل بعض الدول الأخرى. الأولوية الآن هي منع الاضطرابات الداخلية في الدول من أن تنتقل عدواها إلى الجسد الدولي فتؤثر على غالبية الدول التي تعتمد عليه. إن الثورة التي حدثت في مفهوم السيادة قد تم تدعيمها والتكامل معها حتى تحددت بثورة أخرى في المبدأ الحاكم لحماية الدول وحفظ السلام والأمن الدوليين.

- الإصلاح الديمقراطي:-
ظهرت قوى التغيير الديموقراطي بعد أن قررت أمريكا فجأة أن تنشر الديموقراطية في العالم، وقد انعكست التطورات السياسية/ الاقتصادية على صعيد السياسية الدولية حيث استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تحتل مواقع أساسية مكنتها من تقرير مسار السياسة الدولية خاصة بعد حرب الخليج الثانية.
لقد أفضت حرب الخليج الثانية باعتبارها منعطفا" كبيرا" في السياسة الدولية إلى تبلور مفاهيم جديدة في العلاقات الدولية منها الديمقراطية وحقوق الإنسان..الخ من المفاهيم التي أصبحت ثوابت في السياسة الدولية وموضوعات فكرية لأغلبية القوى والتيارات السياسية العالمية.
وهذا لا يعني منح شرعية للمطالب الأمريكية أو القول بأن أمريكا جادة في سعيها لنشر الديمقراطية والإصلاح السياسي، حيث من الممكن أن يكون السبب من ذلك هو لعدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على تأمين الحماية للمصالح الأمريكية بسبب رفض بعض الدول للانسياق وراء مشاريع الهيمنة الأمريكية.(44)

Admin
Admin

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 06/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://globalization.montadarabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

يتبع

مُساهمة  Admin في الخميس مارس 06, 2008 4:47 pm

- مكافحة الإرهاب:-
منذ القرن التاسع عشر اعتبر العالم النمساوي المختص بالإستراتيجية كارل فون كلوزوفيتش الحرب ظاهرة اجتماعية، والفيلسوف الفرنسي ريمون ارون قال بأن الحرب والسلم وجها عملة واحدة. وإن كانت الحرب امتدادا للسياسة فإن الإرهاب السياسي امتداد لها بشكل آخر، وإن مقياس الحكم على الحرب من حيث شرعيتها أو عدمه يعتمد على هدف الحرب وبواعثها فإنه من المنطقي أن يكون الحكم على الإرهاب السياسي مرتبطا بالهدف من ممارسته. إلا أنه نظرا لأن العمليات (الإرهابية) تولد ضحايا قد يكونون أبرياء وتثير مشاعر الخوف والرهبة عند الناس، فإن الاتجاه الغالب هو التهرب من المسؤولية عن هذه الأعمال، ومحاولة إلقاء التبعية على الآخرين، فالآخرون هم الإرهابيون و القتلة، وحتى في الحالات التي تلجأ فيها دولة أو جماعات إلى ممارسة هذا النوع من الإرهاب، فإنها تضفي عليه مسميات مثل الدفاع عن النفس أو الإرهاب ضد الإرهاب أو الإرهاب الأبيض... الخ من المسميات.
إن الإرهاب هو عنف ولكن ليس كل عنف إرهاب، فالعنف قد يكون حربا -العدوانية منها أو غير الشرعية يمكن أن يكون بها عدوانا – وقد يكون جرائم جنائية – وهذه تخرج عن إطار المقصود بالإرهاب السياسي وبالعنف السياسي بشكل عام حتى ولو توفرت عناصر الجريمة على ترهيب الضحية – وقد يكون ثورة أو انقلاب عسكري، أو عمليات أمنية تقوم بها أجهزة الدولة الخ.وكل شكل من أشكال العنف السياسي يمكن أن يتحول إلى إرهاب سياسي في حالة تجاوزه للقانون وللأعراف المعمول بها.
كما أن الإرهاب السياسي قد يأخذ بعدا دوليا ويسمى إرهاب دولي إذا تجاوز حدود الدولة الواحدة كأن يمارسه أفراد أو جماعات ضد أشخاص أو مصالح دولة غير التي ينتمون إليها أو ضد مصالح دولتهم المتواجدة خارج الدولة، هذا ويلاحظ أن التوجه الأمريكي الأخير في محاربة الإرهاب أصبح يزيل الفوارق بين الإرهاب الداخلي والإرهاب الدولي من منطلق أن كل أنواع الإرهاب تهدد السلام والأمن العالميين، وبالمفهوم الأمريكي تهدد المصالح الأمريكية، ومن هنا لاحظنا إرسال الولايات المتحدة قوات عسكرية إلى الفلبين واليمن واندونيسيا وجورجيا وقبل ذلك إلى لبنان والصومال.(45)

تعريف الإرهاب مشكلة معقدة حتى يجوز القول إن تعريف الإرهاب أصعب من محاربته وقد تعددت التعريفات حول الإرهاب، فقد عرفه الفقيه سوتيل بأنه العمل الإجرامي المقترف عن طريق الرعب أو العنف أو الفزع الشديد بقصد تحقيق هدف محدد. ويعرفه جيفانوفتش بأنه أعمال من طبيعتها أن تثير لدى شخص ما الإحساس بالتهديد مما ينتج عنه الإحساس بالخوف من خطر بأي صورة.إذا كان التعريفان السابقان يعرفان الإرهاب بشكل عام سواء كان سياسيا أو غير سياسي، فأن هذا الإرهاب يصبح سياسيا عندما يصبح هدف الفاعل من ممارسته لفعل الإرهاب تحقيق هدف سياسي أو التأثير على الوضع العام، ومن هنا يعرف الفقيه البولوني فاسيورسكي الإرهاب بأنه (منهج فعل إجرامي يرمي الفاعل من خلاله إلى فرض سيطرته بالرهبة على المجتمع أو الدولة بالمحافظة على علاقات اجتماعية عامة أو من أجل تغييرها أو تدميرها).(46)

من خلال ما سبق طرح المفكرين والباحثين لرؤى مستقبل السيادة الوطنية في ضوء المتغيرات الحادثة خاصة العولمة. وقد وضع الباحثون أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل السيادة الوطنية هي:

1- سيناريو اختفاء السيادة:
يرى أنصار السيناريو أنه كما حلت الدولة محل سلطة الإقطاع تدريجيا منذ نحو خمسة قرون، سوف تحل اليوم الشركة متعددة الجنسيات تدريجيا محل الدولة والسبب ان الشركات متعددة الجنسية تسعى خلال تلك المرحلة إلى إحداث تقليص تدريجي في سيادة الدول، بما يؤدي إلى اختفاء مفهوم السيادة، ثم الدولة القومية ذاتها في مرحلة لاحقة، وستكون الوظيفة الجديدة للدولة خدمة المصالح المسيطرة وهي في الأساس مصالح الشركات الدولية العملاقة. والواقع أن فكرة تلاشي سيادة الدولة، ثم اختفاء الدولة القومية في مرحلة لاحقة من الأفكار الشائعة في تاريخ تطور الفكر السياسي، حيث قالها ماركس والفوضويون ومع ذلك لم تنته السيادة ولم تتلاش الدولة القومية. (47)

2- سيناريو استمرارية السيادة:
يرى أنصار هذا السيناريو أن التطورات الراهنة في النظام الدولي لن تأتي على السيادة تماما؛ فالسيادة الوطنية ستظل باقية ما بقيت الدولة القومية ذاتها، وأقصى ما يمكن للتطورات الجارية في النظام الدولي المعاصر أن تفعله هو أن تنال من طبيعة الوظائف أو الأدوار التي تضطلع بها الدولة بالمقارنة بما كـــان عليه الحال في ظل النظام الدولي التقليدي. (48)

3- سيناريو الحكومة العالمية:
يذهب هذا السيناريو إلى أن هناك تغييرا سيحدث في مفهوم السيادة الوطنية، حيث ستتنازل الدولة القومية عن سيادتها لصالح حكومة عالمية منبثقة من نظام عالمي ديمقراطي، حيث تغير العولمة طرح فكرة الحكومة العالمية ليس باعتبارها حلا بعيد المنال وإنما باعتبارها عملية في طور التكوين.(49)

4- سيناريو التفكيكية:
يتوقع أنصار هذا السيناريو أن الدول القومية لن تكون قادرة على مباشرة مظاهر سيادتها على إقليمها بسبب تفككها إلى عشرات وربما إلى مئات من الدول القومية الصغيرة، تارة تحت دعوى التعبير عن هويات من حقها أن تعبر عن نفسها، وتارة أخرى تحت دعوة توطيد صلة المواطنين بالسلطة، وربما احتجاجا على تحيز النظام الدولي الجديد لجماعات دون أخرى، وعلى الرغم من تزايد الحروب الأهلية والنزعات الانفصالية، وهو ما يجعل حدوث هذا السيناريو محتملا، فإن ثمة تحفظات أخرى تلاحقه، فلا بد أن قوى مضادة ستعمل على مرحلة هذا السيناريو بسبب خطورته الشديدة.(50)
الخاتمة:
لقد حاول البحث تتبع المتغيرات التي صاحبت العولمة منذ نشأتها وآثارها سواء الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الإعلامية ، التي صاحبت ظهورها، وانعكاساتها على المجال السياسية وعلى وجه التحديد على سيادة الدولة.
حيث أظهر المبحث الأول ضبابية فكرة العولمة والاختلاف حول تعريفاتها . ولكن ظهر جلياً أن العولمة ظاهرت عالمية ، برزت منذ سقوط الاتحاد السوفيتي ، وتطورت خلال فترة زمنية قصيرة تستهدف دمج العالم، وإلغاء الحدود الجغرافية، مما يهدد سيادة الدولة.
كما أظهر المبحث الثاني أن العولمة الاقتصادية هي الظاهرة الأكثر جلاءً في مسار التطورات الجذرية التي غيرت شكل العالم في العقد الأخير، كما أن توحد السوق الاقتصادية الدولية يشكل محدداً رئيسياً من محددات آلية عمل الرأسمالية التي ارتبطت بها التحولات الاقتصادية التي صاغت شكل العالم الحديث.
وتناول أيضاً هذا المبحث أبعاد العولمة التي تبلورت في بعض السمات التي تتميز زمن العولمة، مثل الشركات العملاقة، وانحسار دور الدولة، وبروز منظمة التجارة العالمية ، والاتجاه إلى التكتلات الكبرى، وزيادة الاندماجات والتحالفات بين الشركات العملاقة، والثورة المعلوماتية والتكنولوجية، كما استعرض المبحث آثار العولمة على الجوانب الاجتماعية، والسياسية ، والاقتصادية،والثقافية، والإعلامية، والتكنولوجية.

لقد تعدد وتنوعت انعكاسات ظاهرة العولمة على المجال السياسي داخلياً وخارجياً على حد سواء، ولعل من أبرز هذه الانعكاسات صعوبة الفصل وعلى نحو متزايد بين ما هو داخلي وبين ما هو خارجي، ويمكن أن نخلص إلى أن هناك علاقة اقتران سالية بين العولمة والسيادة بمعنى أنه كلما زادت مظاهر العولمة أثر سلباً على سيادة الدولة، لقد تناول المبحث الثالث مفهوم السيادة منذ نشأته ، وحاول البحث تقديم صورة واضحة عن الدول كاملة السيادة والدول الناقصة السيادة موضحاً في ذلك المضمون السلبي والايجابي للسيادة .
وفي المبحث الرابع حاول البحث توضيح المتغيرات والمؤثرات التي صاحبت العولمة وتقلص دور السيادة الوطنية ، وهو ما يوضح ارتخاء قبضة الدولة على أصولها وأجزاء من إقليمها وسحب بعض الوظائف منها موضحاً بحث الاستثناءات التي خرقت مبدأ السيادة مثل حقوق الانسان ، والمحافظة على النظام العالمي، وحماية دولة من عدوان دولة أخرى، وكذلك الإصلاح الديمقراطي ومكافحة الإرهاب موضحاً دور النظام الدولي الراهن التدخل في الشئون الداخلية للدول بهذه الحجج مما أسفر عن انتهاك واضح لسيادة تلك الدول الوطنية.
وفي النهاية تم التطرق إلى مستقبل السيادة الوطنية في ضوء المتغيرات التي طرأت علية وخاصة في ظل العولمة موضحين أهم السيناريوهات الرئيسية لمستقبل السيادة الوطنية وهي سيناريو اختفاء السيادة ، وسيناريو استمرار السيادة، وسيناريو الحكومة العالمية، وسيناريو التفكيك للدول القومية

Admin
Admin

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 06/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://globalization.montadarabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

إعداد الدرس

مُساهمة  Admin في الخميس مارس 06, 2008 4:49 pm

محمد عبد الفتاح الحمراوى

معيد بقسم العلوم السياسية
جامعة الإسكندرية
كلية التجارة
قسم العلوم السياسة

Admin
Admin

عدد المساهمات : 30
تاريخ التسجيل : 06/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://globalization.montadarabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى